الجمعة، 22 يناير، 2010

كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية رحمه الله (قراءة ونقد)

قراءة لكتاب (النظرية السياسية عند ابن تيمية ) لحسن كوناكاتا وتلخيص لأبرز ما جاء فيه:
تميز موقف ابن تيمية عن موقف غيره فيما يتعلق بالسياسة الشرعية من عدة جوانب :
· أدت تحليلات ابن تيمية لواقع الأمة وتاريخ ظهور الأئمة إلى نظرية الغلبة والقهر في تعيين الإمام، إذ يدل هذا التاريخ عنده على أن معظم الأئمة جاءوا نتيجة القهر والغلبة. ولم يحدث انتخاب على الطريقة الديمقراطية وفق مفهومها الحديث. وعندما حدث نوع من المبايعة، فقد كانت هذه المبايعة لاحقة على تمكن الإمام من السلطة، أي أن البيعة جاءت لتأييد أمر واقع وكتصديق عليه باستثناء حالة أو حالتين.
· ابن تيمية لا يعتني بالبحث عن القالب الذي تنعقد به الإمامة كما فعل عامة الفقهاء، حيث إن شرعية الإمام عندهم تتعلق على صحة الانعقاد والتولي بالكيفية التي ذكروها.
· ففي تصور ابن تيمية فإن الإمامة هي إحدى الولايات أو جزء من نظام الدولة، وإن كانت هي أكبر ولاية أو أكبر جزء، ولكنه لا يعتبرها مصدراً لسائر الولايات وهذا على العكس من تصور الفقهاء للإمامة، والذي يعتبر أن الإمامة هي مصدر السلطة للنظام، أي أن سائر الولايات تتلقى شرعيتها وسلطاتها عن طريقة التفويض من قبل الإمام، وعليه فالإمام هو مصدر الولايات، والرعية في الأصل مجردين من أي ولاية في تصور الفقهاء، وهذا يعني أن ابن تيمية خالف التصور الهرمي الفيضي العام الذي قامت عليه بنية الإمامة عند الفقهاء، وما هي إلا جزء منه، ولما خالف ابن تيمية الفقهاء في هذا التصور وتوابعه كان باعتبار أن الولاية عنده متعلقة بالقدرة، وعلى هذا فالولاية متوزعة بين الأمة بحسب قدراتهم.
· ولقد كان مفهوم الأمة الحاضر في تفكير ابن تيمية ذا مضمون ديني، في حين يغيب عنه المعنى التاريخي والاجتماعي. فلم يدرس ابن تيمية مفهوم الأمة بصورة منهجية منظمة مجردة عن مفهوم الدين. ومن هنا فإن مفهوم "الأمة" عند ابن تيمية يتوحد مع مفهوم "الملة" ومما أكد المضمون الديني لمفهوم الأمة عند ابن تيمية أنه نظر إلى الأمة باعتبارها الوارثة للنبوة.
وفي هذا الصدد تبين الفرق الجوهري بين تصور الفقهاء وتصور ابن تيمية، إذ يعتبر الفقهاء الإمام هو خليفة الرسول ? القائم بحراسة الدين والدنيا. ثم يستخلف رعاياه نيابة عنه بينما الأمة عند ابن تيمية هي الوارثة لخلافة النبي.
· أيضاً اتضحت السمات الواقعية للفكر السياسي عند ابن تيمية، هذه الواقعية تتأصل في طوباوية دفينة، فبما أن الخلافة تستلزم نظاماً مثالياً لا يمكن تحقيقه في ضوء الظروف التاريخية المعاصرة له، فلا بد من العيش ـ في انتظار تحققها ـ داخل دولة شرعية أي دولة تطبق السياسة الشرعية.
ومن هنا نجد أن ابن تيمية يوجز الحديث عن الخلافة، ويطنب في السياسة الشرعية لأن مجرد التحليل العقلي يظهر أن الخلافة تعني في الحقيقة تجاوز الدولة। وهذا الأمر لا يمكن أن يحدث وفق الشروط التاريخية القائمة آنذاك. ومن ثم فالحل المتاح هو محاولة إصلاح الدولة أو السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية.
وهناك بعض النقاط التي توقفت معها في الكتاب:
* قال ابن تيمية : ((فيجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع، أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية، أو يسبق في الطلب. بل ذلك سبب المنع)). وساق على ذلك بعض الأدلة.
والذي أراه أن طلب الولاية لا يكون سببا في المنع دائما، حيث يجوز أن يطلب الكفء الولاية فيما يتقنه ويعلم من نفسه القيام به. ونحمل الأدلة المانعة من طلب الولاية أو الأدلة التي تمنع من طلبها من التولي، أنها ف5يمن طلبها ابتغاء الدنيا والرياسة والاستعلاء. ومن ذلك قول يوسف عليه السلام (اجعلني على خزائن الأرض).
وقد يثار تساؤل فيما لو كان الأكفأ هو الذي تقدم وطلب الولاية، ولو كان قد طلبها للدنيا وللرياسة وغيره ممن لم يطلبها ليس بكفء لكونه ضعيفا أو غير أمين. فهل نمنع منها الكفء لذلك أم يستثنى في هذه الحال؟؟!

***

* قال رحمه الله : ((وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولى القضاء، إلا عالم فاسق أو جاهل دين فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين وإن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم))
فأقول : إن يقصد بقوله (جاهل دين) الجاهل الحقيقي الذي هو عكس العالم فكيف يقدم للقضاء وهو جاهل إذ هو في تلك الحال أفسد من الفاسق إذ لا يغني الدين عن العلم إن كان جاهلا. أما إن كان يقصد الأقل علما فلا إشكال.

***

قال رحمه الله: ((فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المتعدين)).
أقول : قسم ابن تيمية أمر الدنيا الضروري لقيام الدين وحفظه إلى قسمين (قسم المال وعقوبات المعتدين) والذي أرى أن العقوبات إنما تدخل في باب أوسع وهو حفظ الامن وهو ضروري لقيام الدين، فإن العقوبات هي جزء من الأمن الذي يجب على الوالي إقامته وحفظه.

***

* قال رحمه الله : ((فإذا تكافأ رجلان، أو خفي أصلحهما أقرع بينهما، كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم القادسية، لما تشاجروا على الأذان، متابعة لقوله صلى الله عليه وسلم {لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا}. فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، وبفعله - وهو ما يرجحه بالقرعة إذا خفي الأمر - كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها))
هنا أطرح تساؤلاً : إذا تساوى رجلان في الدين والأمانة ولم يعرف أفضلها فهل نقول أنه للإمام أن يختار من تلقاء نفسه أو يقرع بينهما؟؟ هل نلغى اختيار الإمام تماماً ونلزمه بالقرعة بين المتماثلين ولا نجعل له حق التفضيل ولو كان على غير أساس القوة والأمانة ؟ مجرد تساؤل!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق